أبو حامد الغزالي
31
تهافت الفلاسفة
دون الاحتراق ، ويجوز حدوث انقلاب القطن رمادا محترقا دون ملاقاة النار ، وهم ينكرون جوازه . وللكلام في هذه المسألة ثلاث مقامات : المقام الأول : أن يدعى الخصم أن فاعل الاحتراق هو النار فقط ، وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار ، فلا يمكنه الكف عما هو في طبعه ، بعد ملاقاته لمحل قابل له . وهذا مما ننكره ، بل نقول : فاعل الاحتراق - بخلق السواد في القطن والتفرق في أجزائه ، وجعله حراقا أو رمادا - هو اللّه تعالى ، إما بواسطة الملائكة ، أو بغير واسطة ، فأما النار - وهي جماد - فلا فعل لها . فما الدليل على أنها الفاعل ؟ وليس لهم دليل ، إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار ، والمشاهدة تدل على الحصول عندها ، ولا تدل على الحصول بها ، وأنه لا علة له سواها . . . الخ » إن إنكار الغزالي فاعلية النار للاحراق بناء على أن مشاهدتنا للاحتراق عند ملاقاة النار ، تدل على حصول الاحتراق عند النار لا على الحصول بها ، موقف يعسر زحزحة الغزالي عنه . ومهما يكن من أمره ، فهو موقف سبق به الغزالي أرب الوضعية الحديثة . نعم أنه خالفهم في إنكارهم الميتافيزيكا ، وإن كان قد ردها إلى خبر النبي المعصوم ، فعنه - في نظر الغزالي - يمكن تلقى المعرفة بالمغيبات . ومما سبق يمكن تقسيم منهج الغزالي في المعرفة إلى ثلاث شعب : 1 - المعرفة الغيبية - الميتافيزيكا - ومعرفتها بطريق التفصيل لا تتم إلا عن طريق الوحي .